بداية الموشحات في الأندلس
المـوشحّات
لم تظهر الموشحات مللًا من القصائد والأشعار بل ظهرت
لأنه كان هناك تحول ذائقة،المجتمع الأندلسي كان موسيقيًا، متعدد الأعراق واللغات، وفيه احتكاك بالعجم والروم فكان الشكل الخليلي الصارم أضيق من أن يستوعب هذا المزاج الضخم
وكان صعبًا على أصّل العرب لأننا أُناس نُقدس القديم ومايفعله أُصلنا كما في السعودية حي أشبيليه،وقرطبة وفاءً للأندلس وكان الشعّر بوابة العرب في الأندلس فهي وصلة تاريخية عظيمة
اما عن سبب التسميّة مُوشحات
فقط سُميت موشحات على أصل وشّاح،لو ننظر إليه فبدايته كـنهايته ومعقود بالأوسط ومبتطق تمامًا على بعض الموشّحات لأن بعضها تُقفل بعباره تختم بها وتتكرر ويشبّه الوشّاح تمامًا
أين بدأت هذه الفكرة؟
كان هُناك خِلاف فالأندلس هل أكتشفوها الأسبان ام كانت أمتداد لعلم العرب وفي بعض الكُتب قيّل أن بعض المستشرقين يقولون كان قد أخذوها من الأسبان،ولا يميل الكثير لهذا الرأي لأن بعض الموشحات منسُوخه بأوزان عربية بحته ليست من عُنصرية او تعصّب،
وتطورت وتميّزت بأنها متعددة القوافي ويصعُب توزينها
وهذان رأيين متجانبين وهي صُنعت للغُناء ليس للقراءة والتمعّن
ويجب عدم الخلّط بينهم،ايضا فُعلت مدارس في الأندلس تُدرس الموسيقى وتعلم الموشّحات والشعّر الأدبي ،
كان ابن سناء الملك معجباً بفن الموشحات، لكنه لاحظ أنها لا تسير دائماً على أوزان الخليل بن أحمد الفراهيدي(أوزان الشعر التقليدي)
فقسّمها لنوعين :
الأول:ما جاء على أعاريض أشعار العرب (أي يتبع البحور الخليلية).
والثاني:ما لا وزن له فيها وهو ما يُبنى على الإيقاع والموسيقى أو "الأرغار" (الأعجمية).
والنتيجة كانت إعجاز بالنسبة لأبن سناء وبعده لم يستطع أحد حصر أوزان الموشحات بشكل نهائي وشامل كما فعل الخليل مع الشعر، لأن الموشح يقوم في الأساس على التنغيم واللحن لا على التفاعيل الجامدة، مما يجعل أوزانه متناقضة ،وهي جاءت من إجل الغناء والتلحين
ولكن بعضها قد جاءت على اوزان عربية مثل جادك الغيث هي الموشحة الشهيرة لـ لسان الدين بن الخطيب، وزير وشاعر غرناطة، التي يفيض فيها بالحنين لأيام الوصل في الأندلس:
جـادَكَ الغيْـثُ إذا الغيْـثُ هَمَـى
يـا زَمَـانَ الوَصْـلِ بـالأَنْـدَلُـسِ
لَـمْ يَكُـنْ وَصْـلُكَ إلاّ حُلُمَـاً
فِـي الـكَـرَى أَوْ خُلْـسَةَ المُخْتَلِـسِ
وهي الموشحة الشهيّرة التي يُرقص ويغنى بِها وتُقرأ وتتهجى أحرفها
اما بالنسبّة الى التسمية فقد
ُنسب ابتكار الموشح إلى الشاعر الأندلسي
«مقدم بن معافي القبري»
في أواخر القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي تقريبًا)
من روايات تقول أنه أول من وشّح 'اي كسّر نظام القصيّدة'
و أفاض ابن خلدون وأتفق فالأسم وفي شرح كيف أن أهل الأندلس لما استبحروا في الترف، ومالوا إلى الغناء والموسيقى، وجدوا أن الأوزان الشعرية الخليلية (نسبة للخليل بن أحمد الفراهيدي) لم تعد تفي بمتطلبات التلحين والتنغيم الجديد، فبدأوا بتنويع القوافي والأوزان لتلائم الذوق الموسيقي المتطور،
وبعض الروايات تقول أنهم اختلفو في أسمين لكنهم شخص واحد وحُرف الأسم وهذا يُرده الأدباء والبعض يقول أسمين لأنهم
اكثر من شخص ولعل واحد منهم سبّق الآخرين او في هذه المنطقة كثر إكتشافها ثم بعد ذلك عرفها بن عبّد ربه وأخذها على نحو اخر وايضاً
عُباده القزاز الذي يُعتبر من أوائل من هذّبوا وأحكموا صنعة الموشح بعد "مقدم بن معافي" وأبرز مُوشحاته :
بَدْرٌ تَمَّ
غُصْنٌ نَقَا
مِسْكٌ شَمَّ
مَا أَتَمَّ، مَا أَوْضَحَا
مَا أَوْرَقَا، مَا أَنَمَّ
لَا جَرَمَ مَنْ لَمَحَا
قَدْ عَشِقَا، قَدْ حُرِم
الى أخر الموشّح -
هذا الموشح يتبع إيقاعاً قصيراً جداً ورشيقاً، وهو ما يسمى في العروض بـ المجزوء ، وكان يُغنى قديماً في مجالس الأندلس لسهولة حفظه وخفة وزنه على الأذن،ايضا لإبن زهر الأندلسي مشهور بموشحاته التي تُغنى ومنها :
َيُّهَا السَّاقِي إِلَيْكَ الْمُشْتَكَى
قَدْ دَعَوْنَاكَ وَإِنْ لَمْ تَسْمَعِ
وَنَدِيمٍ هِمْتُ فِي غُرَّتِهِ
وَشَرِبْتُ الرَّاحَ مِنْ رَاحَتِهِ
كُلَّمَا اسْتَيْقَظَ مِنْ سَكْرَتِهِ
جَذَبَ الزِّقَّ إِلَيْهِ وَسَقَى
وَسَقَانِي أَرْبَعًا فِي أَرْبَعٍ
مَا لَهَا عَنْدِي وَلَا عَنْهُ رَجَعْ
وهذه بعض المُوشحات الجميلة والمشهورة في روعتها للفن الأندلسّي الطاغِ،وكُتبت للغناء والطرب والغزل والرِقة والأندلس لذّة فنيّة في عصّرها بأمتياز،بعضها يُقرأ ويطرب وبعضها لا تُقرأ ولكن يحتاج لها عُود زرياب يُطرب لها ،
قد تساءل البعض ماهو عُود زريـاب؟
عود الزيـاب فهو ليس آلة مختلفة عن العود المعروف، بل هو تطوير ارتبط باسم الموسيقي الشهير:
« زرياب »
اسمه الحقيقي أبو الحسن علي بن نافع، عاش في القرن التاسع الميلادي، وانتقل من بغداد إلى الأندلس واستقر في قرطبة، حيث أحدث ثورة موسيقية حقيقية وبغداد وقتها كانت بـ عصّر هارون الرشيّد فتلقى العلوم الموسيقية من إبراهيم المُوصلي وإبنه إسحاق المُوصلي فالعصّر العبـاسي على وِجه الخصوص وزادته البيئة الثقافية الموسيقية،
عِرفه إسحاق المُوصلي بـِهارون الرشيد، فبدأ يـأخذ مكانته شيئاً فـ شيئاً فالبلاط وعند الأمراء، حتى مرة من المرات طلب منه هارون الرشيد ان يغني له فقال أريد عُودي فرد هارون أليس هذا كعُود إسحاق
فأجابه لا ولا أغني الا بِه فجأو بعُوده وتساءل هارون فسّال:كأنه هو
فقال زرياب:ليس كذلك فمن يضرب عليه ليس كمن يراه
فأعجب به وبعُوده الذي تميّز بـ إضافة الوتر الخامس
العود قبل زرياب كان بأربعة أوتار،أضاف وترًا خامسًا، ما وسّع المجال الصوتي وأعطى إمكانات لحنية أعمق،وأسحاق رأى انه تميز عليه وبدا يأخذ مجاله أكثر ولذلك صرح بصّراحة اما أن تبّقى على مُنافسة ويشي به للخلفاء ويُطرد او يُنفى او أرحل ،فبّعد مضايقات كثيرة بالفعل رحل زرياب بقي فالقيروان فترة وجيزة كثرت به حّساده وعداءه فـ هّم بالذهاب للأندلس وكانت الأندلس بحاجة للمسة من فنّ زرياب ليطوقو أبداع الأندلس أكثر وأصبح من اكبر الأستاذه فالأندلس له تلاميذه ومُحبيه،وأثر فالفنون ايضًا وفي موشّحات الأندلس وتوسعّت في أنواع مجالاتـها وهكذا، لم تكن الموشحات مجرد كلمات نُظمت أو ألحانٍ عُزفت، بل كانت مرآةً لحضارةٍ تعانق فيها الشرق والغرب، وانصهرت فيها لغة الضاد بنغمات الأندلس الساحرة،لقد تركت لنا الأندلس في موشحاتها 'وصلةً' لا تنقطع، تذكرنا دائماً بأن الفن هو اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة، وأن عبق تلك العصور لا يزال يفوح كلما صدح مغنٍ بـ 'جادك الغيث' أو داعبت أوتار العودِ ذكرى زرياب
خاتماً في لقاءٍ أخر نجتمع❤️



هذا المقالُ مسعى حسنٌ في بيانِ فضلِ تاريخنا وتنوّعه، وأشكركِ عليه، بِصدق، بيد أنّه استوقفني مباحثُ تستوجب ردّ الأمور إلى نصابها، وتنزيه الحقائق التّاريخيّة عن الاستسلام للمرويّات المستشرقة التي شاعت حتّى ظنّها العربيُّ والمُسلمُ حقًّا مسلَّمًا.
إنّكِ أوّلًا جنحتِ في تفسير نشأة الموشّحات إلى التماس التّعليل بامتزاج الأعراق في الأندلس، وإثبات أثرٍ للعجم والرّوم، بحسن نيّةٍ ورغبةٍ في التّوفيق ومقاربة المسألة من منتصفها. لكن هذا رأيٌ يمتنع صحّته بالاعتبار الزّمنيّ والتّاريخيّ المحض. فنظريّة الأصول الإسبانيّة للموشّحات (التي اجتهد المستشرق «خوليان ريبيرا» في إشاعتها، بالمناسبة)، تسقط بالضّرورة الرّياضيّة إذا نحنُ نظرنا إلى تاريخ ظهور شعر «التّروبادور» الأوروبيّ، فقد ظهر في القرن الخامس الهجريّ (الحادي عشر الميلاديّ)، بينما كان ابتكار فنّ الموشّحات على يد المُقدَّم بن معافى القَبْريّ في أواخر القرن الثّالث الهجريّ، كما تفضّلتِ. والقاعدة العقليّة تقضي بأنّ السّابق مُؤثِّر واللّاحق مُتأثِّر، فيستحيل نسبة الأصل إلى الفرع، والأوروبيّون هم مَن استنسخوا صنيع الأندلسيّين وانتحلوا أوزانهم، ويمتنع تاريخيًّا وقوع العكس.
وأوردتِ دعوى خروج الموشّحات عن نظام الخليل الصّارم لِتَسَع المزاج المتعدّد العرقيّات، واستشهدتِ بأشهر ما نُظِم في هذا الباب كدليلٍ على ذلك التّمرّد. لكن… «جادك الغيث» للسان الدّين بن الخطيب، و«أيّها السّاقي» لابن زُهر، تجريان في الحقيقة على أوزانٍ عربيّة صميمة لا شِيَة فيها 😅 أمّا التّجديد فقد حصل، لكنّه انحصر في الهندسة البنائيّة للقصيدة، من حيث تجزئتها إلى أدوارٍ وأسماطٍ وأغصان، دون الانسلاخ حقًّا من عمود الإيقاع العربيّ الأثيل. والموشّحات التي خُلّدت في صحاح الأدب وسارت بها الرّكبان هي عينُها التي استمسكت بالإيقاع الخليليّ، أمّا المحاولات الشّاذّة فقد اندثرت لاستحالة تذوّقها في الأسماع العربيّة الصّافية.
وتتأكّد عروبة هذا الفنّ خلقًا وتطويرًا بالنّظر في أنساب أربابه ومخترعيه؛ فالمبتكر الأوّل مُقدَّم بن معافى القَبْريّ عربيّ، ومَن أحكم صنعته وهذّب قواعده هو عُبادة بن ماء السّماء الأنصاري، وهو الآخر عربيٌّ خالص. وأصحاب الرّوائع الخالدة تتّصل أنسابهم بصريح العرب، كابن الخطيب المنتهي نسبه إلى قبيلة طيِّئ، وابن زُهر يعود إلى إياد، وابن باجّة التُّجيبيّ الكِنْديّ. وإذا اعترض معترض بوجود ألفاظ أعجميّة أو عاميّة في «الخَرْجة» دليلًا على أثر العجم، فمردّ ذلك يقينًا إلى قصد الشاعر إظهار براعته وتفنّنه في استيعاب «لغة الشارع» وتطويعها صنعةً واستعراضًا للمقدرة البلاغيّة. وممّا يؤيّد هذا المسلك الاستعراضيّ صنيع ابن سناء الملك حين رام نَظْم موشّحاتٍ مشرقية، فعمد إلى حشو خرجاتها بألفاظٍ فارسيّة إظهارًا للظَّرف والتّمكن، جريًا على سُنّة الأندلسيّين في التّظرف واستعراض القوّة اللغويّة العابرة للألسن.
ثمّ العجب كلّ العجب من إقحامكِ لاسم زرياب وتلاميذه في هذا المساق؛ فالتاريخ يسجّل وفاة زرياب بمدينة قرطبة سنة مائتين وثلاث وأربعين للهجرة، بينما استقرّ تاريخيًّا ظهور أوّل موشّحة أندلسيّة في أواخر القرن الثالث الهجريّ (نحو سنة ٢٩٠ هـ) على يد القَبْريّ. وبين الحدثين فجوة زمنيّة تربو على نصف قرن، يستحيل معها تعليق نشأة الموشّح أو توجيه صياغته بزرياب أو مدرسته الغنائيّة.
نعم، طوّر زرياب العود وأضاف وتره الخامس ورسّخ طرائق الغناء المشرقيّ الحجازيّ، لكنّه مضى سبيله قبل أن يُولد فنّ الموشّحات ويُعرف له رسم.
ولعلّ الوجه المقبول الذي يصحّ به استشهادك بزرياب، هو تأكيد حقيقةٍ غابت عن ذهن القائلين بالانفصام الأندلسيّ؛ وهي بقاء الأدب الأندلسيّ بغنائه وشعره مستمسكًا بجذوره المشرقيّة العربيّة، يدور في فلكها وينهل من معينها الأصيل، وكان خروجه الظّاهر في بعض التصاريف تنويعًا داخل البيت العربيّ الواحد، ومنحصرًا في إطاره الأصيل.
عادي تشوفين اخر منشور فضلاً وليس أمراً